صَوْتُ صَفيْرِ البُلْبُلِ - قصة الأصمعي مع الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور


يحكى أن الخليفة العباسى ابو جعفر المنصور كان حريصا جدا على أموال الدولة وكان من عادة الخلفاء ان يعطوا الهدايا للشعراء ويغدقوا عليهم بالأموال ، فلجأ ابو جعفر الى حيلة حتى لا يعطى للشعراء الأموال ، فأصدر بياناً بأن من يأتى بقصيدة من بنات افكاره أخذ وزن ما كتب عليها ذهباً ، فتسارع الشعراء الى قصر الخليفة ليسردوا شعرهم ولكن المفاجأة الكبرى انه عندما كان يدخل الشاعر ليقول قصيدته وينتهى منها ، يقول له الخليفة هذه القصيدة ليست من بنات أفكارك لقد سمعتها من قبل ويعيدها عليه فيندهش الشاعر ثم ينادى الخليفة على أحد غلمانه فيقول له هل تعرف قصيدة كذا وكذا فيقول نعم فيعيدها عليهم الغلام ثم ينادى الخليفة لجارية عنده هل تعرفين قصيدة كذا وكذا فتقول نعم وتسردها عليهم فيقف الشاعر ويكاد أن يطير عقله من هذا فلقد سهر طوال اليل يؤلف هذه القصيدة ثم يأتى الصباح ليجد ثلاثة يحفظونها.

فما هى الحيلة التى كان يفعلها الخليفة ؟ كان أبو جعفر المنصور يحفظ الكلام من مرة واحدة وكان عنده غلام يحفظ الكلام من مرتين وجارية تحفظ الكلام من ثلاث فإذا قال الشاعر قصيدته حفظها الخليفة فعاده عليه ويكون الغلام خلف ستار يسمع القصيدة مرتين مرة من الشاعر ومرة من الخليفة فيحفظها وهكذا كانت الجارية تقف خلف ستار تسمع القصيدة من الشاعر ثم الخليفة ثم الغلام فتحفظها


فأجتمع الشعراء فى منتداهم مغمومين لما يحدث ولا يدرون كيف أن القصائد التي يسهرون ليألفوها تأتى فى الصباح يحفظها الخليفة والغلام والجارية ، فمر عليهم الشاعر وعالم اللغة الأصمعى فرأى حالهم فقال لهم ما بكم فقصوا عليه قصتهم فقال إن هناك فى الأمر لحيلة ، فعزم على ان يفعل شيئا فذهب إلى بيته ثم جاء فى الصباح إلى قصر الخليفة وهو يرتدى ملابس البدو و استأذن ليدخل على الخليفة فدخل .


قال للخليفة لقد سمعت أنك تعطى على الشعر وزن ما كتبت عليه ذهباً فقال له الخليفة هات ما عندك ، فسرد عليه الأصمعى القصيدة التالية :

صَوتُ صفيرِ البُـلبُـــلِ هَيَّجَ قلبي الثَّمِلِ
المــاءُ والزّهرُ معــــاً مَعْ زَهرِ لَحْظِ المُوقَلِ
وأنتَ يــا سيِّدَلي وسيِّدي ومَوْلَى لِي
فَكَــــمْ فَكَـــمْ تَيَمُّني غُزَيِّلٌ عَقَيْقَلي
قَطَّفتَهُ مِنْ وَجْنَةٍ مِنْ لَثْمِ وَرْدِ الخَجَلِ
فقـــالَ لا لا لا لا لا فَقَدْ غَدا مُهَرْوِلِ
والخُوذُ مـــالَت طَّرَبَنْ مِنْ فِعْلِ هذا الرَجُلِ
فَـوَلْوَلــــــَتْ وَوَلـــْوَلَتْ وَلي وَلي ياوَيْلَلي
فَقُلـــتُ لا تُـــــــوَلْوِلي وبَيِّني اللُؤْلُؤَ لي
قالتْ لَــــــهُ حينَ كذا انهَضْ وجِدْ بالنُّقَلي
وَفِتْيَةٍ سَقَــــــــــوْنَني قَهْوَةً كَالعَسَلَ لِي
شَمَمْتُهـــــــــا بِأَنَفي أَزْكى مِنَ القَرَنْفُلِ
في وَسْطِ بُسْتانٍ حُلي بالزَّهْرِ والسُرُورُ لي
والعُودُ دَنْدَنْ دَنَــا لي والطَّبْلُ طَبْطَبْ طَبَ لي
طَبْ طَبِطَبْ طَبْ طَبِطَبْ طَبْ طَبِطَبْ طَبْطَبَ لي
والسَّقْفُ سَق ْسَقْ سَقَ لي والرَّقْصُ قَدْ طابَ لي
شَوى شَوى وشاهِشُ على وَرَقْ سِفَرجَلي
وغَرَدَ القِمْرِ يَصيحُ مَلَلٍ في مَلَلِ
وَلَوْ تَراني راكِباً على حِمارٍ أهْزَلِ
يَمْشي على ثلاثَةٍ كَمَشْيَةِ العَرَنجِلِ
والناسْ تَرْجِمْ جَمَلي في السُوقْ بالقُلْقُلَلِ
والكُلُّ كَعْكَعْ كَعِكَعْ خَلْفي وَمِنْ حُوَيْلَلي
لكِنْ مَشَيتُ هارِباً مِن خَشْيَةِ العَقَنْقِلي
إلى لِقاءِ مَلِكٍ مُعَظَّمٍ مُبَجَّلٍ
يَأْمُرُني بِخَلْعَةٍ حَمراءْ كالدَّم ْدَمَلي
أَجُرُّ فيها ماشِياً مُبَغْدِداً للذِّيَلِ
أنا الأديبُ الألْمَعي مِنْ حَيِّ أَرْضِ المُوصِلِ
نَظِمْتُ قِطْعاً زُخْرِفَت ْيَعْجزُ عَنْها الأدْمُلِ
أَقُولُ في مَطْلَعِها صَوْتُ صَفيرِ البُلْبُلِ


هنا تعجب الخليفة ولم يستطع حفظها لأن فيها أحرف مكررة فقال: والله ماسمعت بها من قبل. أحضروا الغلام، فأحضروه؛ فقال: والله ما سمعتها من قبل. قال الخليفة: أحضروا الجارية، فقالت: والله ما سمعت بها من قبل.

 

 

فقال الخليفة: إذاً أحضر ما كتبت عليه قصيدتك لنزينها ونعطيك وزنها ذهباً، فقال الأصمعي: لقد ورثت لوح رخامٍ عن أبي لا يحمله إلا أربعة من جنودك، فأمر الخليفة بإحضاره، فأخذ بوزنه كل مال الخزينة و عندما أراد الأصمعي المغادرة قال الوزير: أوقفه يا أمير المؤمنين والله ما هو إلا الأصمعي. فقال الخليفة: أزل اللثام عن وجهك يا أعرابي ، فأزال اللثام فإذا هو الأصمعي، فقال: أتفعل هذا معي، أعد المال إلى الخزنة. فقال الأصمعي: لا أُعيده إلا بشرط أن ترجع للشعراء مكافئاتهم


فقال الخليفة: نعم فأعاد الأصمعي الأموال وأعاد الخليفة المكافئات.

قصة الغلام مع الحجاج بن يوسف الثقفي



 
كان الحجاج يوما في رحلة صيد فرأى تسعة كلاب إلى جانب صبي صغير السن عمره حوالي عشر سنوات وله ذوائب فقال له الحجاج : ماذا تفعل هنا أيها الغلام ؟
فرفع الصبي طرفه إليه وقال له : يا حامل الأخبار لقد نظرت إلي بعين الاحتقار وكلمتني بافتخار وكلامك كلام جبار وعقلك عقل حمار.
فقال له الحجاج ؛ أما عرفتني أيها الغلام ؟
فقال الغلام عرفتك بسواد وجهك لأنك أتيت بالكلام قبل السلام.
فقال له الحجاج : ويلك أنا الحجاج بن يوسف
فقال له الغلام : لا قرب الله دارك ولا مزارك فما أكثر كلامك وأقل إكرامك.
فما أتم كلامه إلا الجيوش حلقت عليه من كل جانب وكل واحد يقول السلام عليك يا أمير المؤمنين
فقال الحجاج : أحفظوا هذا الغلام فقد أوجعني بالكلام فأخذوا الغلام.


 رجع الحجاج إلى قصره فجلس في مجلسه والناس حوله جالسون ومن هيبته مطرقون وهو بينهم كالأسد ثم طلب إحضار الغلام فلما مثل بين يديه ورأى الوزراء وأهل الدولة لم يخشى منهم بل قال السلام عليكم فلم يرد الحجاج السلام فرفع الغلام رأسه وأدار نظره فرأى بناء القصر عاليا ومزينا بالنقوش والفسيفساء وهو في غاية الإبداع والإتقان
فقال الغلام: "أتبنون بكل ريع أية تبعثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين" فإستوى الحجاج وكان متكئا..
فقالوا للغلام : يا قليل الأدب لماذا لم تسلم على أمير المؤمنين السلام اللائق ولا تتأدب في حضرته ؟
فقال الغلام : يا براغيث الحمير منعني عن ذلك التعب في الطريق وطلوع الدرج أما السلام فعلى أمير المؤمنين وأصحابه يعني السلام على عليّ بن أبي طالب وأصحابه.
فقال الحجاج : يا غلام لقد حضرت في يوم تم فيه أجلك وخاب فيه أملك.
فقال الغلام : والله يا حجاج أن كان من أجلي تأخير لم يضرني من كلامك لا قليل ولا كثير
فقال بعض الغلمان : لقد بلغت من جهلك يا خبيث أن تخاطب أمير المؤمنين كما تخاطب غلاما مثلك يا قليل الأدب انظر من تخاطب وأجبه بأدب واحترام فهو أمير العراق والشام.
فقال الغلام : أما سمعت قوله تعالى "كل نفس تجادل عن نفسها" ؟
فقال الحجاج  : فمن عنيت بكلامك أيها الغلام ؟
قال الغلام ؛ عنيت عليّ بن أبي طالب وأصحابه وأنت أيها الحجاج على من تسلم.
فقال الحجاج : على عبد الملك بن مروان.
فقال الغلام ؛ عبد الملك الفاجر عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
فقال الحجاج  : ولم ذلك يا غلام ؟
فقال الغلام : لأنه أخطأ خطيئة عظيمة مات بسببها خلق كثير.
فقال بعض الجلساء : اقتله يا أمير المؤمنين فقد خالف الطاعة وفارق الجماعة وشتم عبد الملك بن مروان.
فقال الغلام يا حجاج : أصلح جلسائك فإنهم جاهلون
فأشار الحجاج لجلسائه بالصمت.
ثم سأله الحجاج هل تعرف أخي ؟
فقال الغلام : أخوك فرعون حين جاء موسى وهارون ليخلعوه عن عرشه فأستشار جلسائه.
فقال له الرقاشي : هبني إياه يا أمير المؤمنين أصلح الله شأنك.
فقال الحجاج : هو لك لا بارك الله فيه.
فقال الغلام : لا شكر للواهب ولا للمستوهب.
فقال الرقاشي : أنا أريد خلاصك من الموت فتخاطبني بهذا الكلام ، ثم إلتفت الرقاشي إلى الحجاج وقال له أفعل ما تريد يا أمير المؤمنين.

فقال الحجاج للغلام : من أي بلد أنت ؟
قال الغلام : من مصر.
فقال الحجاج : من مدينة الفاسقين.
قال الغلام : ولما سميتها مدينة الفاسقين ؟
فقال الحجاج : لأن شرابها ذهب ونساءها لعب ونيلها عجب وأهلها لا عرب ولا عجم.
قال الغلام : لست منهم.
فقال الحجاج : من أي بلد إذن ؟
قال الغلام : من خرسان.
فقال الحجاج : من شر مكان وأقل الأديان.
قال الغلام : ولم ذلك يا حجاج ؟
فقال الحجاج : لأنهم أعجام مثل البهائم والأغنام كلامهم ثقيل وغنيهم بخيل.
قال الغلام : لست منهم.
فقال الحجاج : من أي بلد أنت ؟
قال الغلام : أنا من الشام.
فقال الحجاج : أنت من أحسن البلدان وأغضب مكان وأغلظ أبدان.
قال الغلام : لست منهم.
فقال الحجاج : فمن أين إذن ؟
قال الغلام : من اليمن.

فقال الحجاج : أنت من بلد غير مشكور.
قال الغلام : ولم ذلك ؟
فقال الحجاج لأنهم صوتهم مليح وعاقلهم يستعمل الزمر وجاهلهم يشرب الخمر.
قال الغلام : أنا لست منهم.
فقال الحجاج : فمن أين إذن ؟
قال الغلام : من مكة.
فقال الحجاج : أنت إذن من أهل اللؤم والجهل وقلة العقل.
قال الغلام : ولم ذلك ؟
فقال الحجاج : لأنهم قوم بعث فيهم نبي فكذبوه وطردوه من بينهم إلى قوم أحبوه وأكرموه.
قال الغلام : أنا لست منهم.
فقال الحجاج : لقد كثرت جواباتك علي وقلبي يحدثني بقتلك.
قال الغلام : لو كان أجلي بيدك لما عبدت سواك، ولكن أعلم يا حجاج أني من أهل طيبة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال الحجاج : نعمت المدينة أهلها أهل الأيمان والإحسان فمن أي قبيلة أنت ؟
قال الغلام : من ثلي بني تعلب من سلالة عليّ بن أبي طالب وكل حسب ونسب ينقطع إلا حسبنا ونسبنا.
فأغتاظ الحجاج غيظا شديدا وأمر بقتل الغلام،فقال الحاضرون من الوزراء : ولكنه لا يستحق القتل وهو دون سن البلوغ يا أمير.
فقال الحجاج : لا بد من قتله ولو ينادي منادي من السماء.
قال الغلام : ما أنت بنبي حتى يناديك منادي من السماء.
فقال الحجاج : من يحول بيني وبين قتلك ؟
قال الغلام : يحول بينك وبيني ما يحول بين المرء وقلبه.
فقال الحجاج : هو الذي يعينني على قتلك.
قال الغلام : كلا إنما الذي يعينك على قتلي شيطانك وأعوذ بالله منك ومنه.



فقال الحجاج : أراك تجاوبني على كل سؤال.
فأخبرني : ما يقرب العبد من ربه ؟
قال الغلام : الصوم والصلاة والزكاة والحج.
فقال الحجاج : أنا أتقرب من الله بدمك لأنك من أولاد الحسن والحسين.
قال الغلام : من غير خوف ولا جزع أنا من أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان أجلي بيدك فقد حضر شيطانك يعينك على فساد أخرتك.
فأجابه الحجاج : أتقول أنك من أولاد رسول الله وتكره الموت ؟
قال الغلام : قال الله تعالى "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"


فقال الحجاج : ابن من أنت ؟
قال الغلام : أنا ابن أبي وأمي.
فسأله الحجاج : من أين جئت ؟
قال الغلام : على رحب الأرض.
فقال الحجاج : أخبرني من أكرم العرب ؟
قال الغلام : بنو طيً.
فسأله الحجاج : ولم ذلك ؟
قال الغلام ؛ لأن حاتم الأصم منهم.
فقال الحجاج : فمن أشرف العرب ؟
قال الغلام : بنو مضر.
فقال الحجاج : ولم ذلك ؟
قال الغلام : لأن محمد صلى الله عليه وسلم منهم.
فقال الحجاج : فمن أشجع العرب ؟
قال الغلام : بنو هاشم لأن علي ّ بن أبي طالب منهم
فقال الحجاج : فمن أبخس العرب وأقلهم خيرا ؟
قال الغلام : بنو ثقيف لأنك أنت منهم وفي الحديث الشريف يظهر من بنو ثقيف نمرود وكذاب فالكذاب مسيلمة والنمرود أنت.
فأغتاظ الحجاج غيظا شديدا وأمر بقتله فشفع له الحاضرون فشفعهم فيه وسكن غضبه قليلا.
وقال الحجاج : أين تركت الإبل ذات القرون ؟
قال الغلام : تركتها ترعى أوراق الصوان.
فصاح به الحجاج قائلا : يا قليل العقل ويا بعيد الذهن هل للصوان ورق ؟
فقال الغلام : وهل للإبل قرون؟!
فقال الحجاج : هل حفظت القرآن ؟
قال الغلام : هل القرآن هارب مني حتى أحفظه ؟
فسأله الحجاج : هل جمعت القرآن ؟
قال الغلام : وهل هو متفرق حتى أجمعه ؟
فقال له الحجاج : آما فهمت سؤالي ؟
فأجابه الغلام : ينبغي لك أن تقول هل قرأت القرآن وفهمت ما فيه ؟
 
فقال الحجاج : فأخبرني عن آية في القرآن أعظم ؟ وآية أحكم  ؟ وآية أعدل ؟ وآية أخوف ؟ وآية أرجى ؟ وآية فيها عشر آيات بينات ؟ وآية كذب فيها أولاد الأنبياء ؟ وآية صدق فيها اليهود والنصارى ؟ وآية قالها الله لنفسه ؟ وآية فيها قول الأنبياء ؟ وآية فيها قول الملائكة ؟ وآية فيها قول أهل الجنة ؟ وآية فيها قول أهل النار ؟ وآية فيها قول إبليس ؟
فقال الغلام : أما أعظم آية فهي آية الكرسي
وأحكم آية "إن الله يأمر بالعدل والإحسان"
وأعدل آية "فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذره شرًا يره"
وأخوف آية "أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم"
وأرجى آية
 "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعها"
و آية فيها عشر آيات بينات هي "إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب"
وأما الآية التي كذب فيها أولاد الأنبياء فهي   "وجاءوا على قميصه بدم كذب" وهم أخوة يوسف كذبوا وأدخلوا الجنة.
وأما الآية التي صدق فيها اليهود والنصارى فهي "وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء" فصدقوا وأدخلوا النار.
والآية التي قالها لنفسه هي "وما خلقت الجن والأنس الإ ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين"
وآية فيها قول الأنبياء "وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون"
وآية فيها قول الملائكة "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم"
وآية فيها قول أهل الجنة "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور"
وآية فيها قول أهل النار "ربنا أخرجنا منها نعمل صالحا"
وآية فيها قول إبليس "أنا خيرُ منه خلقتني من نار وخلقته من طين"
فقال الحجاج : أخبرني عمن خُلق من الهواء ؟ ومن حُفظ بالهواء ؟ ومن هلك بالهواء ؟
فقال الغلام ؛ الذي خلق من الهواء سيدنا عيسى عليه السلام والذي حُفظ بالهواء سيدنا سليمان بن داوود عليهما السلام وأما الذي هلك بالهواء فهم قوم هود.
فقال الحجاج : فأخبرني عمن خُلق من الخشب ؟ والذي حُفظ بالخشب ؟ والذي هلك بالخشب ؟
قال الغلام : الذي خُلق من الخشب هي الحية من عصا موسى عليه السلام والذي حُفظ بالخشب نوح عليه السلام والذي هلك بالخشب زكريا عليه السلام.
فقال الحجاج : فأخبرني من خُلق من الماء ؟ ومن نجا بالماء ؟ ومن هلك بالماء ؟
فقال الغلام ؛ الذي خُلق من الماء أبونا أدم عليه السلام والذي نجا من الماء موسى عليه السلام والذي هلك بالماء فرعون.
فقال الحجاج : فأخبرني من خُلق من النار؟ ومن حُفظ من النار ؟
فقال الغلام : الذي خُلق من النار إبليس والذي نجا من النار إبراهيم عليه السلام.

فقال الحجاج : فأخبرني عن أنهار الحنة وعددها ؟
قال الغلام : أنهار الجنة كثيرة لا يعلم عددها إلا الله سبحانه وتعالى كما قال الله في كتابه العزيز "فيها أنهار من ماء غير أسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى" وكلها من محل واحد لا يختلط بعضها ببعض ويوجد نظيره في الدنيا وهو في رأس بني أدم طعم عينه مالح وأذنه مر وطعم فمه عذب.
فقال الحجاج : إن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يتغطون فهل يوجد مثل له في الدنيا ؟
قال الغلام : الجنين في بطن أمه يأكل ويشرب ولا يتغوط.
فقال الحجاج : فما أول قطرة من دم ؟
قال الغلام : هي حيض حواء.
فقال الحجاج : أخبرني عن العقل ؟ والأيمان ؟ والحياء ؟ والسخاء ؟ والشجاعة ؟ والكرم ؟ والشهوة ؟
قال الغلام : إن الله عز وجل قسم العقل عشرة أقسام جعل الله تسعة في الرجال وواحدة في النساء
والأيمان عشرة أقسام تسعة في اليمن وواحدة في بقية الدنيا.
والحياء عشرة أقسام تسعة في النساء وواحدة في الرجال.
والسخاء عشرة أقسام تسعة في الرجال وواحدة في النساء.
والشجاعة والكرم تسعة في العرب وواحدة في بقية العالم.
والشهوة عشرة أقسام تسعة في النساء وواحدة في الرجال.
فقال الحجاج : فأخبرني ما يجب على المسلم في السنة مرة ؟
قال الغلام : صيام رمضان.
فقال الحجاج : وما يجب في العمر مرة ؟
قال الغلام : حج بيت الله الحرام من أستطاع إليه سبيلا.
فقال الحجاج : فأخبرني عن أقرب شيء إليك ؟
قال الغلام الآخرة.


 ثم قال الحجاج : سبحان الله يأتي الحكمة من يشاء من عباده ما رأيت صبيا آتاه الله عز وجل العلم والعقل والذكاء مثل هذا الغلام.
فقال الغلام : أنا أهل لذلك .
فقال الحجاج : فمن أحق الناس في الخلافة ؟
قال الغلام : الذي يعفو و يصفح ويعدل بين الناس.


فقال الحجاج : فأخبرني عن النساء ؟
قال الغلام : أتسألني عن النساء وأنا صغير لم أطًلع بعد على أحوالهن ورغائبهن ومعاشرتهن ولكنني سأذكر لك المشهور من أمورهن..
فبنت العشر سنين من الحور العين وبنت العشرين نزهة للناظرين وبنت الثلاثين جنة نعيم وبنت الأربعين شحم ولين وبنت الخمسين بنات وبنين وبنت الستين ما بها فائدة للسائلين وبنت السبعين عجوز في الغابرين وبنت التسعين شيطان رجيم وبنت المائة من أصحاب الجحيم.
فضحك الحجاج وقال : أي النساء أحسن ؟
قال الغلام : ذات الدلال الكامل والجمال الوافر والنطق الفصيح التي يهتز نهدها ويرتاح ردفها.
فقال الحجاج : أخبرني عن أول من نطق الشعر ؟
قال الغلام : سيدنا أدم عليه السلام وذلك لما قتل قابيل أخاه هابيل أنشد يقول :

بكت عيني وحق لها بكاها ****** ودمع العين منهمل يسيح
فمالي لا أجود بسكب دمع ****** وهابيل تضمه الضريح
رمى قابيل هابيلا أخاه ****** وألحد في الثرى الوجه الصبيح
تغيرت البلاد ومن عليها ****** فوجه الأرض مغبر كشيح
تبدل كل ذي طعم ولون ****** لفقدك يا صبيح يا مليح
أيا هابيل إن تقتل فإني ****** عليك الدهر مكتئب قريح
فأنت حياة من في الأرض جميعا ****** وفقدك ياروح وريح
ولست ميت بل حي ****** وقابيل الشقي هو الطريح
عليك السخط من رب البرايا ****** وأنت عليك تسلم صريح

فأجابه إبليس :
تنوح على البلاد ومن عليها وفي الفردوس قد ضاق الفسيح
وكنت بها وزوجك في نعيم من المولى وقلبك مستريح
خدعتك في دهائي ثم مكري إلى أن فاتك العيش الرشيح

فقال الحجاج : أخبرني عن أجود بيت قالته العرب في الكرم ؟
قال الغلام : هو بيت حاتم طي حيث يقول :
وأكرم الضيف حتما حين يطرقني
قبل العيال على عسر وإيسار
فقال الحجاج : أحسنت أيها الغلام وأجملت وقد غمرتنا ببحر علمك فوجب علينا أكرامك ثم أحضر للغلام ألف دينار وكسوة حسنة وجارية وسيف وفرس، وقال الحجاج في نفسه : إن أخذ الفرس نجا وإن أخذ غيرها قتلته.
ثم قال الحجاج : خذ ما تريد يا غلام.
فغمزته الجارية وقالت : خذني أنا خير من الجميع.
فضحك الغلام وقال : ليس لي بك حاجة وأنشد يقول
وقرقعت اللجان برأس حمرا أحب إلى مما تغمزيني
أخاف إذا وقعت على فراشي وطالت علتي لا تصحبيني
أخاف إذا وقعنا في مضيق وجار بي الدهر لا تنصريني
أخاف إذا فقدت المال عندي تميلي للخصام وتهجريني

فأجابته الجارية تقول :
معاذ الله أفعل ما تقول ولو قطعت شمالي مع يميني
وأكتم سر زوجي في ضميري وأقنع باليسير وما يجيني
إذا عاشرتني وعرفت طبعي ستعلم أنني خير القرين

فقال الحجاج للجارية : ويلك ألا تستحين تغمزينه وتجاوبينه بالشعر.
قال الغلام : إن كنت تخيرني فإني أختار الفرس،
أما إن كنت ابن حلال فتعطيني الجميع.
فقال الحجاج : خذهم لا بارك الله لك فيهم.
قال الغلام : قبلتهم لا أخلف الله عليك غيرهم ولا جمعني بك مرة أخرى.
ثم قال الغلام : من أين أخرج يا حجاج ؟
فأجابه الحجاج : من ذاك الباب فهو باب السلام.
 
فقال الجلساء للحجاج : هذا جلف من أجلاف العرب أتى إليك وسبًك وأخذ مالك فتدله على باب السلام ولم تدله على باب النقمة والعذاب!
فقال الحجاج : إنه استشارني والمستشار مؤتمن.
 
وخرج الغلام من بين يديً الحجاج سالمُا غانما بفضل ذكاءه وفهمه وحسن إطلاعه.

ذكاء الامام الشافعى






 كان مجموعة من العلماء يحقدون على الإمام الشافعي، ويدبرون له المكائد عند الأمراء، فاجتمعوا وقرروا أن يجمعوا له العديد من المسائل الفقهية المعقدة لاختبار ذكائه، فاجتمعوا عند الخليفة الرشيدالذي كان معجبًا بذكاءالشافعي وعلمه بالأمور الفقهية وبدأوا بإلقاءالأسئلة والفتاوي في حضور الرشيد..

فسأل الأول:
ما قولك في رجل ذبح شاة في منزله ثم خرج في حاجة فعاد وقال لأهله: كلواأنتم الشاة فقد حرمت علي فقال أهله: علينا كذلك
فأجاب الشافعي:
إن هذا الرجل كان مشركًا فذبح الشاة على اسم الأنصاب وخرج من منزله لبعض المهمات فهداه الله إلى الإسلام وأسلم فحُرّمت عليه الشاة وعندما علم أهله أسلموا هم أيضًا فحُرّمت عليهم الشاة كذلك.

ثم سٌئل:
شرب مسلمان عاقلان الخمر، فلماذا يقام الحد على أحدهما ولايقام على الآخر ؟
فأجاب الشافعي:
إن أحدهما كان صبيًا والآخر بالغًا.

وسٌئل:
زنا خمسة أفراد بامرأةفوجب على أولهم القتل وثانيهم الرجم وثالثهم الحد ورابعهم نصف الحد وآخرهم لا شيء ؟
فأجاب الشافعي:
استحل الأول الزنا فصار مرتدًا فوجب عليه القتل، والثاني  كان محصنًا، والثالث غير محصن، والرابع كان عبدًا، والخامس مجنونًا.

وسُئل:
رجل صلى ولما سلّم عن يمينه طلقت زوجته، ولما سلم عن يساره بطُلت صلاته، ولما نظر إلى السماء وجب عليه دفع ألف درهم ؟
فأجاب الشافعي:
لما سلّم عن يمينه رأى زوج امرأته التي تزوجها في غيابه ، فلما رآه قد حضر طلقت منه زوجته، ولما سلم عن يساره رأى في ثوبه نجاسة فبطلت صلاته، فلما نظر إلى السماء رأى الهلال وقد ظهر في السماء وكان عليه دين ألف درهم يستحق سداده في أول الشهر.

وسُئل:
ما تقول في إمام كان يصلي مع أربعة نفر في مسجد فدخل عليهم رجل ولما سلم الإمام وجب على الإمام القتل وعلى المصلين الأربعة الجلد ووجب هدم المسجد على أساسه ؟
فأجاب الشافعي:
إن الرجل القادم كانت له زوجة وسافر وتركها في بيت أخيه فقتل الإمام هذا الأخ وادعى أن المرأة زوجة المقتول فتزوج منها، وشهد على ذلك الأربعة المصلون، وأن المسجد كان بيتًا للمقتول، فجعله الإمام مسجدً.

وسُئل:
ما تقول في رجل أخذ قدح ماء ليشرب، فشرب حلالاً وحُرّم عليه بقية ما في القدح ؟
فأجاب الشافعي:
إن الرجل شرب نصف القدح فرعف أي (نزف في الماء المتبقي)، فاختلط الماء بالدم فحُرّم عليه ما في القدح.

وسُئل:
كان رجلان فوق سطح منزل، فسقط أحدهما فمات فحرمت على الآخر زوجته ؟
فأجاب الشافعي:
ن الرجل الذي سقط فمات كان مزوجًا ابنته من عبده الذي كان معه فوق السطح فلما مات أصبحت البنت تملك ذلك العبد الذي هو زوجها فحرمت عليه.

 

إلى هنا لم يستطع الرشيد الذي كان حاضرًا تلك المساجلة أن يخفي إعجابه بذكاء الشافعي وسرعة خاطرته وجودة فهمه وحس إدراكه وقال: والله لقد بينت فأحسنت وعبرت فأفصحت وفسرت فأبلغت.
فقال الشافعي: أطال الله عمر أمير المؤمنين،إني سائل هؤلاء العلماء مسألة فقال الرشيد لك ذلك وسلهم ما تريد يا شافعي، فقال الشافعي :
مات رجل وترك 600 درهم، فلم تنل أخته من هذه التركة إلا درهمًا واحدًا، فكيف كان الظرف في توزيع التركة ؟

فنظر العلماء بعضهم إلى بعض طويلاً ولم يستطع أحدهم الإجابة على السؤال فلما طال بهم السكوت طلب الرشيد من الشافعي الإجابة، فقال الشافعي:
مات هذا الرجل عن ابنتين وأم و زوجه واثني عشر أخًا وأخت واحدة، فأخذت البنتان الثلثين وهي 400 درهم، وأخذت الأم السدس وهو 100 درهم، وأخذت الزوجة الثمن وهو75 درهم، وأخذ الاثنا عشر أخا 24 درهمًا فبقي درهم واحد للأخت فتبسم الرشيد وقال: أكثر الله في أهلي منك، وأمر له بألفي درهم فتسلمها الشافعي ووزعها على خدم القصر.